عبد الشافى محمد عبد اللطيف

342

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

بالإعدام مما جعل الأستاذ لين بول يطلق عليهم - المنتحرين - والعجيب أن هذه الحركة بدأت في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط ( 206 - 238 ه / 822 - 853 م ) وهو ليس من الأمراء القساة بل كان يتحلى بالتسامح وحب العلم والثقافة . على كل حال هذه الحركة أدانها النصارى أنفسهم في حينها « 1 » . وكذلك أدانها النصارى المعاصرون ولقد علق الأستاذ أميلو جارثيا جومث في مقدمته لكتاب الأستاذ ليفي بروفنسال بقوله « 2 » : « وتتلخص أحداث تلك الأزمة في الحكم - خلال الفترة من ( 236 - 245 ه / 850 - 859 م ) بمدينة قرطبة - على أربعين مستعربا بالإعدام ؛ عقابا لهم على سبّ رسول الإسلام علانية . ألهذا يمكن الحديث عن الاضطهاد ؟ كلّا ألف كلّا ؛ لأن الدولة الإسلامية - وخاصة أثناء حكم الأمويين - كانت - على خلاف ما يعتقد غير العارفين - في منتهى التسامح مع المسيحيين واليهود ، ولقد دان المستعربون للفاتحين نتيجة لهذا التعايش الإيجابي ، وهذا ما أثار حفيظة المشتغلين منهم بالسياسة ، فعلاوة على إبراز الوثائق التاريخية الكثيرة التي خلفها المستعربون لهذا التسامح - يعترف ( سان ألوخيو ) نفسه بأنه لا يشعر بين المسلمين بالدونية أو بالمضايقة ، كما يشير آخر وهو ( خوان دي جورز ) إلى أن المسيحي يمارس شعائره بحرية تامة . . فلم يكن المسيحيون يرتدون ملابس خاصة ولا يحملون شارة معينة تميزهم ، وكانوا في كثير من الأحيان يرتقون إلى أعلى المناصب المدنية والعسكرية ، وكان القساوسة يغشون الأماكن العامة بزيهم التقليدي ، كما كان من الممكن في بعض الأحيان تشييد كنائس جديدة » . واعتمادا على ما سبق ذكره نقول : إنه لو وجدت حينذاك محاولة سلمية ( الدعوة إلى الإسلام ) تهدف إلى تالف النسيج الاجتماعي فليس من حقنا أن ندينها ؛ لأن لكل تسامح حدوده ومن غير المعقول أن نطلب من المسلمين التساهل إلى الحد الذي يغضون فيه الطرف عن إهانة وسب الميسحيين لرسولهم علانية ، في نفس الوقت الذي لا يسمح فيه لأحد بالتعريض بالعقيدة المسيحية ا . ه .

--> ( 1 ) المرجع السابق ( ص 243 ) وانظر كذلك ليفي بروفنسال . الحضارة العربية في أسبانيا ترجمة د . الطاهر أحمد مكي ، طبع دار المعارف ، القاهرة ، ( 1994 م ) ، ( ص 100 ) . ( 2 ) تاريخ أسبانيا الإسلامية ( ص 15 ) وانظر في المسألة نفسها : ليفي بروفنسال - الحضارة العربية في أسبانيا ( ص 100 ) .